
الأزمات الإنسانية والسياسية المتصاعدة حول العالم أدت إلى زيادة عدد الأشخاص المحتاجين لأنواع مختلفة من المساعدة. عادةً ما تُنظم وتُقدم هذه المساعدات من قبل المنظمات الدولية مثل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية؛ ومع ذلك، فقد تقلص حجم هذه المساعدات باستمرار وأصبحت تُعتبر غير كافية لتوفير الموارد اللازمة للفئات السكانية الأكثر ضعفاً. وقد فتح هذا الوضع الباب أمام الشركات متعددة الجنسيات للمشاركة في هذه المساعي الإنسانية. وعلى المستوى السطحي، قد يُنظر إلى ذلك كقيمة مضافة للمنظمات الإنسانية لزيادة فعاليتها، إلا أن هذه الشركات غالباً ما تحمل أهدافاً تجارية ومنافع خفية ضمن تقديمها للمساعدة الإنسانية.
لبنان ليس غريباً على الأزمات السياسية التي تراكمت على مدار العقود الماضية. فقد أدت هذه الأحداث إلى تدفق جماعي للمهاجرين إلى لبنان، الذي أصبح مضيفاً لأكبر عدد من اللاجئين بالنسبة لكل فرد على مستوى العالم، بما في ذلك اللاجئين الفلسطينيين والإثيوبيين والسودانيين والعراقيين والسوريين. وقد تسبب ذلك في ضغوط كبيرة على البنية التحتية اللبنانية من التعليم والصحة والاقتصاد التي كانت بالفعل غير كافية. الأحداث الأخيرة مثل انفجار ميناء بيروت في عام 2020 وجائحة كوفيد-19 أضرت بشدة بهذه البنية التحتية، فيما وضعت الحرب الإسرائيلية الأخيرة في عام 2024 لبنان على حافة الانهيار. بعد انفجار ميناء بيروت، شهد لبنان تصاعداً في الاستجابة الإنسانية لمساعدة المتضررين. وفي خضم هذه الاستجابة، لعبت الشركات دوراً رئيسياً في مساعدة وتمويل المنظمات الإنسانية من خلال توفير الطعام والمشروبات والمياه والإمدادات الطبية والمنح الدراسية للأفراد المحتاجين. ومع غياب دولة قوية، انتهزت هذه الشركات الفرصة لتصبح مساهمين رئيسيين في تقديم المساعدات للمنظمات الإنسانية التي وجدت في التعاون مع الشركات وسيلة لتحقيق الحد الأدنى من المتطلبات.
في مقابل المساعدة المقدمة، تفرض هذه الشركات شروطاً على الجهات المستفيدة بهدف تعزيز تسويق منتجاتها وتقديم صورة مسؤولة. على سبيل المثال، قد تشمل الشروط عرض شعار الشركة على المواد الموزعة ونشر مقاطع فيديو للأشخاص المتلقين للتبرعات على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بها.
تنشأ عدة معضلات أخلاقية من مثل هذه التعاونات، ولا سيما أن العديد من هذه الشركات تبيع منتجات ضارة بالصحة وتشكل عوامل خطر رئيسية للأمراض المزمنة، مثل تلك الناتجة عن صناعات التبغ والكحول والأغذية والمشروبات فائقة المعالجة، والتي تُعد من الأسباب الرئيسية للسرطان والأمراض القلبية الوعائية على مستوى العالم. وقد وجدت الشركات فرصة لتسويق منتجاتها داخل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل حيث يكون تنظيم المنتجات الاستهلاكية أقل صرامة، وذلك عبر مساعدة المنظمات الإنسانية المحلية. وهذا بدوره يخلق بيئة يُعتبر فيها استهلاك المنتجات غير الصحية أمراً طبيعياً بين العامة، بما في ذلك الفئات الضعيفة المتأثرة بالأزمات، بهدف زيادة الأرباح دون الاهتمام بالصحة العامة، إذ أن الهدف الأساسي لهذه الشركات هو تحقيق الربح.
عند مقابلة العاملين في المنظمات الإنسانية وسؤالهم عن وجهات نظرهم حول تقديم الشركات للمساعدة المالية وغيرها من أشكال الدعم لمنظماتهم، تبين أن الكثير منهم غير مدركين للمخاوف الأخلاقية المرتبطة بهذه المساعدة. وهذا يثير القلق، لأنه يشير إلى أن الوكالات الإنسانية غير واعية للأجندات الخفية للشركات، ومستعدة لقبول أي مساعدة من الأعمال الربحية، مما يمهد الطريق لبقاء الشركات في ميدان المساعدات الإنسانية وادعائها بممارسة المسؤولية الاجتماعية، مع تطبيع استهلاك منتجاتها الضارة بالصحة بين السكان المستفيدين. كما تؤطر هذه المساعدة المساعدات الإنسانية على أنها أكثر شبهاً بالتعامل التجاري، في حين أن المفهوم الأساسي للمساعدة هو أن تكون إنسانية وليست بهدف الربح، مما يعني أيضاً أن الشركات الكبرى تحقق أرباحاً من التحديات التي يواجهها الناس.
وأشار عدد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم إلى أن الأفراد الذين يتلقون هذه التبرعات من غير المرجح أن يتأثروا بالشركة المانحة لهذه الموارد، إذ إنهم لن يكونوا قادرين على شراء هذه المنتجات على أي حال، أو ببساطة لا يعرفون هوية الشركة. ومع ذلك، جادل آخرون بأن هذه الشركات بلا شك تخلق عملاء مستقبليين بطريقة أو بأخرى، حيث أن الأفراد الذين يتلقون هذه التبرعات من المحتمل أن يصبحوا مخلصين لعلاماتهم التجارية أو ينشرون الكلمة عن كيفية مساعدة هذه الشركات لهم في أوقات الحاجة، مما يخلق رابطاً عاطفياً مع العلامات التجارية ويتماشى مع الأهداف الخفية لهذه الشركات.
وتسلط هذه المقابلات الضوء على أنه مع تزايد الحاجة للدعم الإنساني، أصبح التعاون مع الشركات أكثر قبولاً نتيجة لتراجع المساعدات من المنظمات الدولية، وحقيقة أن الشركات أكثر انفتاحاً على التفاوض وأقل بيروقراطية من الوكالات الدولية، مما يجعل عملية التعاون أكثر بساطة. وهذا يؤكد الحاجة لتطوير إرشادات العناية الواجبة التي تساعد هذه المنظمات على تقييم ملفات الشركات ومتطلباتها قبل قبول مساعدتها، وذلك لتجنب الأضرار غير المقصودة للأشخاص المستفيدين وللمنظمات الإنسانية نفسها.